شركة هواوي للإتصالات: تجربتي المؤسفة مع الصينيين

طارق الربعة مذكرات اترك تعليقا

شركة هواوي

تأسست شركة هواوي للإتصالات عام 1987 في مدينة شنزن الصينية، وفي خلال 30 سنة  تمكنت من التفوّق على جميع منافسيها حتى وصلت عائداتها المعلنة لعام 2017 الى 94.8 مليار دولار وربحها الصافي 7.5 مليار دولار.
لدى شركة هواوي 180 الف موظف وتفوقت سريعا على شركة اريكسون التاريخية التي تأسست في السويد عام 1876 وغيرها من الشركات الأوروبية والأميريكية وهي ما زالت تطمح بزيادة عائداتها عبر محاولاتها المتكررة دخول السوق الأميريكية.

تجربتي المؤسفة مع شركة هواوي والصينيين 

في هونغ كونغ:

عام 2005 سافرت في إجازة الى هونغ كونغ بعد حصولي على تأشيرة سياحية. عندما وصلت الى امن عام المطار لاحظت تأفف الموظّف واخرج ورقة مكتوب عليها “بلدان محظورة” وقام بوضع إشارة مكتوب عليها “الكشك مغلق”. استغربت مما يحصل الى ان اتى شخص صيني يرتدي لباسا مدنيا وقال لي بهدوء “تفضّل معي”. ادخلني الى صالة كبيرة مليئة بالمسافرين حيث جلست وانتظرت حوالي الساعة دون ان اعرف ما هي المشكلة. بعد ذلك جاء ضابط في شرطة هونغ كونغ وادخلني الى مكتب وبدء بطرح الأسئلة عن سبب زيارتي ودقّق بتأشيرتي والفندق وتذكرة السفر وبعد أن تأكد بأن الزيارة سياحية ختم الباسبور وقال لي “سأسمح لك بالدخول”.
غضبت من هذا التصرّف وسألته لماذا فعلتم هذا بي، هل لأنني لبناني؟ فنظر اليّ دون ان يتكلّم بكلمة واحدة.
اكملت اجازتي وعندما رجعت الى لبنان ارسلت شكوى الى السلطات في هونغ كونغ واخبرتهم بانهم خربّوا لي اجازتي بهذا التصرّف وطالبتهم بالاعتذار.
بعد عدة ايام تفاجأت بجوابهم الذي قالوا فيه بأنهم اخرّوني ساعة وثلاثة دقائق وبأنهم اعادوا النظر باجراءاتهم وشكروني على اعتراضي واعتذروا عن هذا التأخير الغير متعمّد ووعدوني بأن المرة الثانية سأدخل فورا الى هونغ كونغ* من دون تأخير.

* استعادت الصين سيطرتها على هونغ كونغ في 1 تموز 1997 بعد ان كانت مستعمرة بريطانية.  

في لبنان من خلال شركة هواوي: 

يعود تاريخ شركة هواوي في لبنان الى عام 2004 عندما ارسلت الشركة بعثة بهدف تأمين المكانة الملائمة لها في السوق اللبناني المهم لها استراتيجيا. في عام 2008 أُنشئ مكتب هواوي رسميّاً في لبنان، وما هي الاّ فترة وجيزة حتى دخلت هواوي السوق اللبنانية! قبل ذلك، تسلّمت الدولة اللبنانية عام 2007 هبة صينية لتركيب شبكة خلوية ثالثة من شركة هواوي تتحمّل 50 ألف مشترك. 

كيف تعرّفت على شركة هواوي عام 2008!

في شهر شباط من العام 2008 سلّمتني شركة ألفا التي كانت تُديرها شركة FAL-DETE مسؤولية تحضير دفتر شروط تقني لتطوير شبكة النقل عبر إدخال تقنية معروفة باسم IP/MPLS. بعد ان انهيت دفتر الشروط وبعد اضافة الشروط القانونية من قبل قسم المشتريات وصلني من المدير التقني أنذاك بريد الكتروني يخبرني فيه بأن دفتر الشروط سيوزّع على 9 شركات بناءً على طلب وزارة الاتصالات وكانت تشمل هواوي الصينية، اريكسون، تيلابس، سيسكو، الكاتيل-لوسنت وغيرهما.
أعطت شركة ألفا مدّة شهرين للشركات المزوّدة لتقديم عرض اسعار وفترة شهر للمراسلات في حال حاجتهم لأي استفسار ووضعت الشركة بريدي الالكتروني ورقم هاتفي الخلوي في متناولهم اذا احتاجوا لأي استفسار تقني. في هذه الفترة، وصلني من المدير التقني عدة اسئلة من المزودّين والتي اجبنا عليها بشكل رسمي وتلقّيت اتصالات دولية كثيرة من الشركات المصنّعة يستفسرون عن بعض النقاط التقنية واكثر هذه الاتصالات كانت تردني من شركة هواوي الصينية وشركة الكاتيل-لوسنت.

الصدمة الأولى: تسريبات

بعد ان تسلّمت شركة ألفا عروض الشركات، بعد احداث 7 ايار 2008، تمّ فتحها بحضور ممثلّين عن وزارة الاتصالات وتدوين الأسعار المقدّمة من كل شركة وكان لافتاً تقارب اسعار شركتين فقط وهما هواوي والكاتيل-لوسنت بينما سعر شركة سيسكو كان اربعة اضعاف ارخص سعر وسعر شركة سيمنز الضعفين، فتمّ استبعادهم على الفور في الاجتماع وتسلّمت صناديق العروض التي ملأت مكتبي واعطوني مهلة شهر لتحضير تقرير تقني ومالي عن الشركة المرجّحة للفوز على ان انظّم اجتماعات دورية لاطلاع اللجنة الفنية في الفا وممثلين عن وزارة الاتصالات على التطورات في غربلة العروض. 

بدأت على الفور بترتيب افكاري واعمل ليلا ونهاراً على مقارنة الاجابات على كل شرط من دفتر الشروط ودعيت اللجنة التقنية في ألفا الى اجتماع اولّي لاطلاعهم على التصوّر الأولي للمقاربة بين الشركتين المتنافستين والطريقة التي اعمل عليها في المقارنة واعطاء اوزان لكل شرط ملبّى من الشركات المتنافسة. كان الاجتماع مغلقاً في المبنى الرئيسي لشركة الفا ولم اقدّم اي توصية عن الشركة الفائزة لأنني كنت ما زلت في الاسبوع الاول من غربلة العروض.
بعد ان انتهيت من الاجتماع توجهت الى مكتبي في حرش تابت وبعد نصف ساعة تلقّيت اتصالا من امرأة صينية تعمل في شركة هواوي وقالت لي حرفياً “لماذا انت لا تدعمنا؟”. فقلت لها “انا اقوم بعملي بكل شفافية ولم انتهي بعد”. فقالت لي بأن احدهم من داخل الاجتماع المغلق اخبرها بأنني لا اروّج لهم. فانصدمت بالأمر ولم اعرف من نقل لها هذه الصورة وقلت لها “انا اعمل بكل شفافية واذا كنتم فائزون ستفوزون وليس عندي رفض شخصي للبضائع الصينية وخاصة ان بلاد الصين لم تحتلّ بلادي على مدى التاريخ ولكن موضوع المناقصة يتعلق بشروط تقنية ينبغي ان تتناسب مع متطلبات تطور الشبكة مع الأخذ بعين الاعتبار السعر التنافسي. اريد اجود منتج بأرخص سعر”. فقالت “سترى بأننا سنفوز على شركة الكاتيل-لوسنت لأننا نعرف اجهزتهم وهم (اي الكاتيل-لوسنت) يعرفون بأننا اقوى منهم”.  استغربت لأمرها لأنني لم اغص بعد بتفاصيل فض العروض.

الفرق بين تعاطي شركة هواوي والكاتيل-لوسنت مع دفتر الشروط 

في شهر تشرين الثاني من العام 2008 تعثرّت المفاوضات بين شركة فال-ديتي ووزارة الاتصالات حول تمديد عقد التشغيل لشبكة الفا وانتقلت ادارة الشبكة الى وزارة الاتصالات في 1 كانون الأول 2008 وفي شباط 2009 استلمت الادارة شركة اوراسكوم والتي ما زالت تدير شبكة الفا الى اليوم. 
تعرّضت لضغط شديد للاسراع بانجاز التقرير التقني قبل نهاية شهر تشرين الثاني 2008. فصرت اعمل نهار السبت والأحد واتواصل مع الشركات لاستيضاحها على بعض النقاط العالقة وكانت شركة هواوي الصينية تعمل السبت والاحد على عكس شركة الكاتيل-لوسنت التي موظفوها لا يجيبون في العطلة لا على الاتصالات ولا على بريدهم الالكتروني.

من ناحية اخرى، كانت اجابات شركة هواوي الصينية على دفتر الشروط مكتملة على عكس شركة الكاتيل-لوسنت التي تعاملت مع المناقصة وكأنها مضمونة، فأتت اجاباتها ناقصة. اما من الناحية الفنية والمالية والخدمات المقدمة بعد البيع تقدّمت فعلا الشركة الصينية على الشركة الفرنسية-الأميريكية وارسلت شركة الفا كتاباً الى وزارة الاتصالات اعلنت فيه فوز شركة هواوي الصينية.

الصدمة الثانية: بعد احتجازي

في عام 2008 كنت اوّل من عمل على مناقصة حقيقية وشفافة في شركة الفا نتج عنها تأسيس رسمي لشركة هواوي الصينية في بيروت ومن بعد ذلك فُتح سوق الاتصالات امام الصينيين. فوز الصينيين اغضب باقي الشركات التي منذ ذلك الوقت بدأت تخسر تدريجيا حصتها من السوق اللبناني والعربي والاوروبي وهذه الشركات اعتبرت ضمنا بأنني كنت السبب بخسارتهم وغضبوا مني….
فرِحت شركة هواوي بفوزها والامرأة الصينية التي اتصلت بي في البداية ارسلت لي بعد ذلك عدة دعوات رسمية مجانية لحضور مؤتمرات في فرنسا وفي الصين ولكنني لم البِّ هذه العزائم وسافرت مرة واحدة الى الصين اواخر عام 2009 برفقتها وبرفقة موظفين من شركة الفا لحضور دورة تدريبية فقط.
اثناء وجودي في الصين اخذتنا هواوي الى السوق في مدينة شنزن فالتقيت فتاة صينية تعمل بائعة في محل للثياب، سألتها عن راتبها فقالت 300 دولار في الشهر مقابل 12 ساعة عمل يوميا ولا عطلة نهار السبت والأحد وسألتني من اين انت؟ قلت لها انا من لبنان واستغربت لأنها لم تسمع لا بلبنان ولا بسوريا ولا بقبرص ولا بتركيا وانما تعرف فرنسا فقط.

من ناحية اخرى، الامرأة الصينية التي كانت تسمي نفسها ريبيكا تردّدت الى شركة الفا مرات عدة وكانت تزورني في مكتبي وسألتني مرة اذا كنت ارغب بشيء من الصين. فطلبت منها شجرة صغيرة من القصب الصيني الذي احبه كثيرا. بعد ايام معدودة جاءتني بكيس فيه تراب وشجرة صغيرة جدا من القصب الصيني وضعتها في منزلي. على الأثر دعوتها الى العشاء في مطعم مندلون مع اشخاص أخرين وكان ذلك في بداية عام 2010.
خلال العشاء قالت بأن الصداقة تعني لها الكثير، فأجبتها بأنني اتعامل معها كصديقة ولم انظر اليها الا بعد لحظات لأتفاجىء بالدموع تنهمر من عينيها. فسألتها مستغرباً عن سبب دموعها فقالت “تأثرت بصدقك وتعاطفك معي كإمرأة وليس مجرد علاقة زبون مع البائع. هذه دموع الفرح”. فرحت لفرحها ولكن….  

قبل حوالي الشهرين من استدعائي الى وزارة الدفاع في 12 تموز 2010، اتصلت بالامرأة الصينية ريبيكا عدة مرات لأجد هاتفها مغلقاً. سألت مديرها الصيني عنها فقال لي غادرت لبنان فجأة لاجراء عملية جراحية يشتبه بأنها مصابة بسرطان الثدي. بعد ان زودني برقمها الصيني، اتصلت بها وقالت لي بأنها تتعافى بعد العملية وهي لا تعرف اذا ستعود الى لبنان.
الغريب بالأمر بأن مديرها الصيني اخبرني بأنه سيغادر لبنان ايضاّ وبدأ كذلك فريق من المهندسين الصينيين بمغادرة لبنان.

في 12 تموز 2010 توجهت بسيارتي الخاصة من نوع اودي Q7 موديل سنة 2007 الى وزارة الدفاع وتم احتجازي ومحاكمتي بتهمة انا بريء منها ولم اخرج سوى في 1 شباط 2015 بعد محاكمة عسكرية استمرت 4 سنوات.
أثناء محاكمتي ولقناعتي بأنني لا اعرف احداً من الموساد تواصلت عائلتي مع شركة الكاتيل-لوسنت الغاضبة مني لخسارتها المناقصة وطلبت منها مستندات رسمية تثبت بأن الرقم الفرنسي الذي ظنّ المحققون في استخبارات الجيش بأنه للموساد يعود لشركة مواصلات يتعاملون معها. تجاوبت شركة الكاتيل-لوسنت وارسلت المستندات التي تثبت براءتي.
كذلك فعلت شركة اريكسون السويدية وشركة Tellabs الاميريكية التي مقرّها في العاصمة الفنلندية هيلسينكي.

كان من اسباب التشكيك بي ايضا في المحكمة العسكرية سفراتي العادية الى الخارج والتي اعتبرتها المحكمة كثيرة لمجرّد انني كنت اسافر 3 او 4 مرات سنوياً بهدف حضور دورات تدريبية ومؤتمرات وسياحة.
وانا في السجن تذكرت دموع ريبيكا الصينية التي كانت قد انتقلت الى رومانيا وطلبنا منها مستند رسمي يثبت بأن شركة هواوي كانت تدعوني للسفر الى الصين وفرنسا بهدف اثبات للمحكمة بأن هذا طبيعي للمهندسين الذين يعملون في مجال التكنولوجيا ولكنني انصدمت باجابتها فقالت “قررت ادارة شركة هواوي المركزية في الصين عدم تزويدك بأي مستند وعدم التدخّل بقضيتك”.
عندها اكتشفت حقيقة هؤلاء القوم الذين يتمسكنون ويتباكون حتى يتمكنون.

الدرس الذي تعلّمته من شركة هواوي

عندما اطلق سراحي في 1 شباط 2015 تلقيت التهنئة بسلامتي من مديري السابق قبل 20 سنة وهو فرنسي يدعى فيليب جيرار الذي لم اره منذ عام 1995 وكذلك من مسؤول المبيعات سابقا لدى الكاتيل لوران دريية الذي تقاعد عام 2000 ولم يتصل بي احد من الصينيين في شركة هواوي من الذين كانوا يبكون امامي.
لأنني صادق في تعاملي مع الناس صدّقت الصينيين الذين تكلمّوا عن اهمية الصداقة عندهم وعندما كنت في امسّ الحاجة لهم وانا اتألم خلف القضبان رفضوا تزويدي بورقة بسيطة وسهلة تساعدني امام المحكمة العسكرية.
عام 2008 و 2009 بالرغم بانني تعرضت لضغوطات كثيرة لاخراج شركة هواوي من المعادلة، كنت ارفض ذلك لقناعتي بارخص سعر واجود بضاعة ولكن فاتني ان انتبه الى اهمية المساعدات الاجتماعية التي هي في صلب ثقافة الشركات الأوروبية والأميريكية والتي لم تتأخر يوما عن تقديم اي مستند احتاجه على عكس شركة هواوي الصينية التي تضع امامها هدفاً ماديّاً وتبتسم لك طالما تستطيع الاستفادة منك وتدير ظهرها لك عندما تقع في مصيبة.

في الختام، ونتيجة لما تقدّم من سرد سريع وموجز عن علاقتي بالشركات الأوروبية والأميريكية والصينية اقول لمن تربطه علاقات عمل بالصينيين بأن لا يتوقّع اي موقف اجتماعي داعم من مجتمع (معظمه):
1. يتحسّس اذا قلت امامه انك تحتاج تأشيرة دخول الى تايوان
2. ينتحر فيه كثير من الموظفين من الاجهاد
3. فيه اعلى نسبة اعدامات دولياً

تجربتي كمهندس مع فرنسا والسويد والبرتغال والنمسا والولايات المتحدة الأميريكية وبلاد الغرب عموماً اثبتت بأن مستوى العيش لديهم اعطى الموظف عندهم مجالاً من الاستقلالية في قراره لمساعدة من يريد من دون مراجعة حتى رئيسه المباشر او حتى استشارة مراجعهم الأمنية ومن يتمعّن بعباراتي المتداخلة سيفهم عمق ما اعنيه.        

المهندس طارق الربعة

2018 بـــيروت فــي 6 أيــــــار              

  •  
  • 43
  • 4
  • 9
  •  
  • 89
  • 67
  •  

اترك رد

البريد الالكتروني لن ينشر. المعلومات المطلوبة عليها علامة *