قانون العفو: هل السجناء خطر على المجتمع اللبناني إذا خرجوا؟

طارق الربعة رأي

قانون العفو عن السجناء الذي تعمل الدولة اللبنانية على اصداره يسجل اعتراضات من البعض بذرائع مختلفة ومنها التشجيع على الاجرام والبعض الآخر يطالب باستثناءات. فلعل تجربتي تُسهم بتوضيح أهمية هذا القانون في تخفيف معدل الجرائم على عكس ما يظنّ البعض.

امضيت في سجن رومية 4 سنوات و3 أشهر بين عام 2010 و2015. سنتين في مبنى “د” الذي تعرض لانتفاضة عام 2011 ومن ثم انتقلت الى مبنى الأحداث أواخر عام 2012 وبقيت فيه رغم انتفاضة عام 2014 حتى أطلق سراحي في 1 شباط 2015. خلال هذه الفترة رأيت وسمعت بأشياء غريبة كانت بعيدة جدا عني ومنها:
رأيت مرة في مبنى “د” سجينا حزينا ومرتبكا على غير عادته المرحة، فسألته “ما بك؟” فصدمني بجوابه قائلا “أخلي سبيلي”. فقلت له “هل من يخلى سبيله يفرح ام يحزن! امرك عجيب. فقال لي “ليس عندي بيت انام فيه ولا اهل يحضنوني. هنا في السجن انام تحت سقف يأويني من المطر ولا ادفع فاتورة كهرباء مقابل التدفئة وآكل وأشرب وعندي رفاق. اين اذهب إذا خرجت من السجن؟”. فسألته إذا كان يمازحني، فأجابني بالنفي. خرج من السجن وبعد فترة عاد مجددا اليه ولا اعلم ما حصل معه بعد ذلك ولكنّ كلامه اثّر بي عميقا.

ان هدف اقرار قانون العفو العام هو التهدئة الاجتماعية والعبور الى مرحلة جديدة ونسيان الماضي من خلال شمول القانون من ارتكب افعالا تسمى جرمية سواء اكانت جنحة او جناية وهذا ما يخيف البعض من الذين سيخرجون أن يعودوا الى افعالهم السابقة وهذا ممكن، ولكن…

من يختلط بالسجناء في سجن رومية سيلاحظ بأن معظمهم ومن جميع التهم نادمون على افعالهم وليس لديهم استعداد لدخول السجن مرة أخرى. هم لا يريدون ان يسجنوا ثانية ليس فقط بسبب معاناتهم خلف القضبان بل أيضا بسبب تألمهم على أهلهم الذين يعانون معهم خارج القضبان وفي كل مرة يأتون لزيارتهم في السجن.

لدى السجناء قوانينهم الخاصة في تعاملهم مع بعضهم وبالأغلب فهم يتفهمون بعضهم بعضا ويتشاطرون آلامهم المشتركة ويساعدون بعضهم بعضا. فئة قليلة جدا منهم تتباهى بما ارتكبته من تعديات على المواطنين وغير نادمة على افعالها وانما تخرج من السجن وتعود اليه مجددا. هذه الفئة القليلة من السجناء الغير نادمة على افعالها تتوزع على كافة الجرائم وهي فئة ممكن معرفتها داخل السجن عن طريق التقصي لأنها فئة مشاغبة داخل السجن أيضا وتحاول ان تهيمن على السجناء. هذه الفئة هي الفئة الخطيرة على المجتمع التي بقانون عفو او من دون قانون عفو تخرج من السجن وتعتدي على المواطنين بأمنهم او بمالهم ومستعدة للعودة الى السجن مجددا ولا يردعها السجن لأنها فئة منحرفة. الفئة الأخرى النادمة وهي الأكثرية لا تفكر بالعودة مجددا الى عذاب السجن ولكن…

لقد رأيت بعض السجناء الذين أطلق سراحهم من سجن رومية ثم عادوا ودخلوه مجددا بعد بضعة أشهر. هذه الفئة تعتبر قليلة جدا مقارنة مع باقي السجناء الذين يخرجون ويحاولون الاندماج بالمجتمع. هؤلاء السجناء النادمون والذين طالبوا بالشفقة والرحمة اثناء محاكماتهم يحاولون بعد تنفيذ محكوميتهم البحث عن مصدر مالي للعيش ولكن معظمهم لا يجدون وظيفة لأنها تتطلّب سجلاًّ مكتوب عليه “محكوم” لا ينظّف سوى بعد 7 سنوات للمحكوم بجناية ومنهم من يلاحق بالبرقية المنقولة 303. فعندما لا يجد من أطلق سراحه بيتا يسكنه ولا لقمة عيشه، فمنهم من يفكّر بارتكاب أخطاء مجددا تعود بهم الى السجن!

إن أكثرية السجناء هم من الفقراء ومنهم من يعمل داخل السجن ليحصل على بعض المدخول للحصول على حاجياته لأن لا قدرة مادية لأهله ان يضعوا له محام وان يأتوه بالطعام الى السجن. حتى من كان من الطبقة الميسورة ماديا، إذا طالت مدة سجنه فان وضعه المادي يتدهور بسبب المصاريف من غير مدخول.

من هنا تأتي أهمية إقرار قانون العفو لتخفيف الجرائم وينبغي على الدولة اللبنانية ان تستكمل هذا القانون بمساعدات اجتماعية للسجناء الذين يطلق سراحهم على غرار المملكة العربية السعودية التي تقدم مساعدة مادية لمن يخرج من السجن وتركيا التي تطلب من الشركات توظيف نسبة مئوية من الذين نفذوا محكوميتهم لمساعدتهم على الاندماج بالمجتمع والعيش حياة طبيعية والتخفيف من نسبة الجريمة.

في الختام، إنّ اقرار قانون عفو لاطلاق سراح السجناء لا يشكل خطرا على المجتمع وانا من المؤيدين لهذا القانون ومن لديه خوف او قلق من خروج السجناء فليذهب لزيارة سجن رومية اذا استطاع وليستمع الى صرخات السجناء المؤلمة وسيغير رأيه اذا كان من المعترضين على اصدار قانون عفو عام.

  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  • 2
  •