نظرية ابراهام ماسلو: تفكّك المجتمع اللبناني نتيجة الإفقار

طارق الربعة أبحاث

نظرية ابراهام ماسلو

نظرية ابراهام ماسلو (1908 – 1970) الشهيرة، “نظرية الحاجة”، والتي يعود تاريخها الى عام 1943 تشرح بهرميتها العلاقة الترابطية بين تأمين الحاجيات الاساسية لأغلب الناس وبناء العلاقات الاجتماعية. 

من يتمكّن من فهم نظرية ابراهام ماسلو سيفهم بوضوح ماذا يجري قي لبنان وكيف يساهم ضعف الاقتصاد والبطالة وخرق القوانين بتفكك الروابط الاجتماعية والعائلية الى ان سيطرت الأحزاب السياسية على غالبية الشعب اللبناني. هذه السيطرة لم تأت بمعظمها نتيجةً للحاجة الى الانتماء السياسي بحسب نظرية ابراهام ماسلو وانما نتجت عن دافع البحث عن الأمان المفقود بعد انتشار الفقر وفقدان كافة المواطنين للاحتياجات الاساسية للمعيشة.
هذا البحث يسلّط الضوء على الواقع اللبناني من باب الربط العلمي والعملي بين ما يعاني منه المواطنين ونظرية ابراهام ماسلو.

نظرية ابراهام ماسلو

قال ابراهام ماسلو في نظريته ان حاجات معظم الناس تتدرّج هرمياً وفقاً لخمسة مستويات مرتبطة ببعضها البعض بحيث انّك لا تبحث عن الاحتياج التالي الا بعد تحقيق الاحتياج الذي قبله وهكذا. 
قسّم ماسلو هرم الحاجات الى خمسة مراحل وصنّف المرحلتين الأولى والثانية بالحاجات الأساسية للمعيشة والمرحلتين الثالثة والرابعة بالحاجات النفسية والمرحلة الخامسة بالحاجة الشخصية. 

هرم الحاجات الخمسة

1. الحاجات الفيزيولوجية:

وهي حاجات اساسية وضعها ماسلو في قاعدة الهرم مثل الحاجة للاوكسيجين والطعام والماء والنوم. في حال لم تتوفّر هذه الحاجات يصعب الصعود الى المرحلة الثانية من الهرم.
مثالا على ذلك انه في بعض بلدان افريقيا الفقيرة يعمل المواطنين بدافع تأمين الطعام والشراب ومأوى لهم للنوم لأن هذه الحاجيات الأساسية غير متوفرة لديهم على عكس اوروبا التي توفّر لمواطنيها العاطلين عن العمل حدّ ادنى من الدخل الشهري حفاظا على الحدّ الادنى من التوازن في المجتمع والاستقرار الأمني.  

2. الحاجات الأمنية:

بعد اشباع الحاجات الفيزيولوجية يبدأ التفكير بالأمن والأمان مثل الأمان المالي واالغذائي والقدرة على تلقي العلاج الصحي والأمن الوظيفي والحاجة الى النظام وقوانين تحمي المواطن وممتلكاته. ايضا من الحاجات الأمنية هو تأمين شقة تحميه من الحيوانات المفترسة والأمان في محيطه وعلى الطرقات والأمن الشخصي من الاعتداءات.
مثالا على الأمن الوظيفي اسلوب اليابانيين الاداري لتحفيز الموظف على الانتاج عبر توظيفه مدى الحياة.

3. الحاجات الاجتماعية:

وتأني بعد تأمين الحاجات الفيزيولوجية والأمنية مثل الحاجة للاصدقاء وبناء اسرة والانتماء الحزبي او الانضمام الى نقابات. يعتبر ابراهام ماسلو بأن الحاجات الاجتماعية هي حاجات نفسية تظهر بعد تأمين الحاجيات الاساسية.

4. الحاجة للتقدير والاحترام:

وهي قسمين: داخلي وخارجي. القسم الداخلي يتعلّق بالحاجة الى الانجاز والكفاءة والثقة بالنفس والقسم الخارجي يتعلّق باحترام الأخرين له والنفوذ والمنصب واهتمام الأخرين به والمكانة الاجتماعية والاعتراف للشخص بنجاحاته بما يتوافق مع نظرته الى نفسه. 

يقول ماسلو بأن عدم قدرة الشخص على تلبية الحاجة الرابعة تجعله يشعر بأنه فاشل مما يؤدي به الى الاحباط والتوتر والشعور بالضعف الى درجة اصابة البعض بعقد نفسية قد ينتج عنها ردات فعل سلبية في محيطه. 
اما بالنسبة للحاجات الأربعة مجتمعةً فيقول عنها بأنها حاجات ناتجة عن”الحرمان منها” التي اذا لم يتمّ تلبيتها فهي تحرّك الدافع لدى الشخص للعمل على اشباعها ولن يستطيع ان ينتقل الى الحاجة الخامسة التي صنفها بحاجة النموّ. وفي غياب هذه العناصر الأربعة يصبح الشخص معرض للاكتئاب، والقلق، والعزلة الاجتماعيّة وردّات فعله قد تكون خطيرة على محيطه وعلى المجتمع.

5. حاجة النمو وتحقيق الرغبة الشخصية: 

يصف ماسلو حاجة النمو بأنها تنشط بعد الحصول على الحاجات الأربعة السابقة وهي حاجتك ان تكون قادرا على القيام بالعمل الذي ترغب فيه والذي ينسجم مع مهاراتك وقدراتك العقلية وخبرتك وطموحاتك في بيئة مناسبة تساعدك على التفوّق.
اضافة الى ذلك يقول ماسلو بأن نسبة قليلة من الناس يستطيعون تلبية الحاجة الخامسة واسماها “حاجة تحقيق الذات” وحدّد صفات لهؤلاء الأشخاص كالتواضع، والعزلة عن الناس واقامة علاقات عميقة مع عدد قليل من الاصدقاء، التصرّف بطبيعية، استقلالية عن المجتمع ويتحرّك بدافع شخصي لتنمية قدراته، التمييز بين ما هو حقيقي وزائف، يتمركز تفكيره ايضا حول المشاكل والحلول، بعد النظر، يساعد الآخرين بدافع عاطفي داخلي ولا يغار من المتفوقين بل يفرح بهم لأنه يعتبر تفوقهم عامل مساعد لتحقيق اهدافه.
انطلاقا من هذه الصفات تبرز اهمية اختيار الأشخاص المسؤولين عن المراكز العلمية والخدماتية بصفات شخصية لا تكون عائقا بدافع الغيرة امام من لديه القدرات العقلية والفكرية للتفوق بدافع النمو الداخلي لديه. 

نظرية ابراهام ماسلو تعتبر بأن معظم الناس يتأثر سلوكها بدافع الحاجات الناقصة لديها وعند الاكتفاء من الحاجة الأولى يظهر دافع الحاجة الذي يلي الدافع المشبع قبله. كما اعتبر ان الحاجة الأولى والثانية بمثابة حاجات اساسية يتم تلبيتها خارجيا كحالة الانتعاش الاقتصادي التي تُشبعهما على عكس الحاجات الثالثة والرابعة والخامسة التي تُشبع داخليا وخصوصا حاجة النمو.
بما اننا نشعر بالحاجة لأشياء معينة، فهذا الشعور يؤثر على سلوكنا، فالحاجات الناقصة  تسبب توترًا لدينا نحاول التخلّص منه من خلال البحث عن إشباع الحاجة، وبالتالي فإن الحاجة الناقصة هي حاجة مؤثرة على سلوكنا وتحفزنا للعمل للحصول عليها.
إن عدم القدرة على اشباع الحاجات الناقصة تؤدي لدى الأكثرية إلى الإحباط والتوتر والاكتئاب وقد يؤدي الأمر إلى سلوك البعض وسائل دفاعية تتمثل بردود أفعال عدائية في محاولة للتخلص من الاحباط.
ويقول ماسلو ان ما يسري على الاشخاص يسري على المجتمعات، وانه في حالة الحرب او الازمات نعود الى الاحتياجات الاقل مرتبة، مما يعني بنظر ماسلو عودة المجتمع الى الوراء لأن تفكيره ينحسر في تحقيق احتياجاته المعيشية او السكنية (مثالا على ذلك ما يحصل مع اللاجىء السوري)، وبالتالي ترْك مواصلة العمل على تحقيق الانجازات وما له من تأثير على تراجع الانتاجية وتأخير نمو اقتصاد البلد.

نظرية ابراهام ماسلو والواقع اللبناني  

بعض الأمثلة من الواقع اللبناني تكفي لفهم الوضع النفسي لمعظم الشعب اللبناني.
إن القلق من تداعيات الديْن العام الذي تجاوز ال 80 مليار دولار يدفع بالشعب اللبناني فقراء وأثرياء الى حالة من عدم الاحساس بالأمن المالي بالاضافة الى عدم تمكن الشباب من شراء شقق سكنية بعد توقف مصرف الاسكان من امدداهم بالقروض يجعل جزء كبير من الشعب اللبناني ينشغل فكريا بالحاجة رقم 2 من هرم ابراهام ماسلو وهي حاجة “الأمن المالي” والحاجة للسكن. اضافة الى ذلك نجد ان مثالا على الحاجة الى القوانين في الدرجة الثانية من هرم ماسلو تتمثّل بالاعتصامات التي نفذها المالكين والمستأجرين القدامى.

ارتفاع معدل البطالة مع ارتفاع عدد الفقراء في لبنان يضع جزءا كبيرا من اللبنانيين في خانة قاعدة هرم ماسلو وهي خانة الحاجة للطعام والشراب. وشهد لبنان مظاهرات كثيرة بهدف اقرار سلسلة الرتب والرواتب لإشباع الحاجات الفيزيولوجية والأمنية. اما دافع الحاجة الى الأمن الوظيفي فيتمثل بالمياومين الذين يتظاهرون بهدف اشباع هذه الحاجة لأن فقدانهم لعملهم يجعلهم يتراجعون الى الحاجة الأولى من هرم ماسلو وهي الحاجة الفيزيولوجية.     

انتشار تلوّث الهواء في عدد من المناطق اللبنانية نتيجة لمكبات النفايات يجعل جزءا من اللبنانيين في حالة من القلق على وضعهم الصحّي، اي مشغولون فكريا بدافع الأمن الصحيّ في المرحلة الثانية من هرم ماسلو.

مخالفة القوانين عبر وثائق الاتصال والبرقية المنقولة 303 تضع جزءا من المواطنين في خانة الحاجة الى الأمن الشخصي والخوف من الاعتقال التعسفي، اي في خانة الحاجات الأمنية من هرم ماسلو.

بناء على نظرية ابراهام ماسلو نلاحظ من بعض الأمثلة بأن أكثرية الشعب اللبناني غارق بدافع الحاجات الأساسية وهي في قاعدة الهرم، وبحسب ماسلو النقص في اشباع هذه الحاجات يؤدي الى التوتر لأنها تقف عائقا امام التقدم لاشباع الحاجات النفسية واقلها الحاجات الاجتماعية.
فمن كان تفكيره مشغول بكيفية تأمين لقمة عيشه او مريض يتألم ليس بامكانه تلقي العلاج لا يتحرك لديه دافع الحاجة الاجتماعية لبناء علاقات جديدة وصداقات او علاقات عاطفية وعلى سبيل المثال ارتفاع نسبة العنوسة في لبنان.

بالنظرة العميقة الى واقع المجتمع اللبناني من باب نظرية ابراهام ماسلو نلاحظ بأن كثيرون في لبنان مصابون بالتوتر وهذا واضح من خلال طريقة القيادة على الطرقات او المظاهرات المتنقلة من منظقة الى اخرى وكثرة الشكوى المنقسمة الى حسب الاحتياجات بين امنية وفيزيولوجية. ونلاحظ ايضاً فريق من اللبنانيين يعاني من حاجة امنية مثل التخلص من وثائق الاتصال لا يتضامن مع فريق آخر من منطقة اخرى يعاني من الأمن الوظيفي والعكس بالعكس، ذلك لأن كل فريق يعاني من نقص لحاجات اساسية طالت مدة فقدانه لها، فأثرت في سلوكه وسببت له آلاما نفسية حادة وصلت الى حد محاولة البعض احراق انفسهم في الشارع دون ان يجد من يتضامن معه من الفريق الذي يعاني من نقص في حاجة اساسية مختلفة، وهذا  يعني تفكك المجتمع اللبناني وانقسامه بحسب الحاجات الأساسية الامنية والفيزيولوجية.
اما بالنسبة للاصطفافات الشعبوية السياسية في لبنان فهي برأيي لا تصنّف بمعظمها على أنها نتيجة دافع الحاجة الاجتماعية لأن معظمنا يعاني من نقص في اشباع الحاجات الأساسية الأولى والثانية، وانما هي نتيجة لردّة فعل نفسية للحصول على الحماية من الاحباط المتفشي من خلال اصطفاف شعبوي سياسي التي تأمل منه الفرقة المصفقّة ان تعوّض حاجة الأمان بأمل الحصول عليها من هذا الفريق السياسي او ذاك في المدى القريب.  والمحزن في ذلك، بأن الفرقاء السياسيون يهاجمون بعضهم بعضا مما يزيد الانشقاق بين الشعب ويزيد تفكك المجتمع لدرجة بداية تفكك الروابط العائلية.

في الختام، ونتيجة لما تقدّم من شرح موجز لنظرية ابراهام ماسلو، يتبيّن بأننا بحاجة ماسة الى سياسيون قادة يتمتعون بالصفات القيادية الحقيقية وليس فقط مسؤولون في مراكز السلطة لا يتمتعون بصفات الشخصية التي وضحها ابراهام ماسلو وانما يلجأون الى السلطة بدافع اشباع نقص بحاجاتهم النفسية والشخصية، اي الحاجة الرابعة والخامسة من هرم ماسلو.
نحن بحاجة الى نوعية من القادة الذين يستطيعون توجيه الشعب نحو التضامن العاطفي ليتحّد في تحديد اهدافه الملحة واستخدام حافز حاجة النقص بحاجياته الأساسية للعمل سويّا على تحقيق الأهداف والانتقال الى المرحلة الثالثة من هرم ماسلو ومن ثم الرابعة والخامسة وما لذلك من ايجابيات في عملية نهوض الاقتصاد اللبناني وتخفيف التوتر والجرائم.       

المهندس طارق الربعة

بيروت في 28 نيسان 2018 

  •  
  •  
  •  
  • 1
  •  
  •  
  • 93
  •